أحمد بن يحيى العمري

128

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

تعشقها النفس ، وتسرح فيها العين ، وحسن مجموع صورهم وتفاريقها ، ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) « 1 » . وكأن أهل القاهرة معجبون فيهم ، وتهالك في الوجد بهم جماعة من الأمراء ، وتوصلوا إلى إحضارهم في مجالس أنسهم ، وكانوا يحسنون الكلام بالعربية ، ويعلمون مواقع النوادر على عادة نصارى صقيلية ، وخفي عن الناس هنالك مراد الإمبراطور بتوجيههم ، وإنما أرادوا أن يتكشفوا « 2 » من الأحوال الباطنة على ما لا يتوصل إليه غيرهم ، ممن لا يشفع في تقريبه حسنه ، فما انفصلوا عن القاهرة إلا وقد حصلوا من الأخبار ما يسهّل طريقه إليهم ، شفيع الحسن الذي لا يرد « 3 » . على أني أبصرت من غلمان الأتراك ذوي الأثمان الغالية ما أرجع فيه إلى الإنصاف . وأفضلهم على غلمان أصناف الرّوم . ، الذين يجلبون إلى ملوك الأندلس ، وسلاطين برّ العدوة ، ولقد أخبرت أنه ( ص 44 ) كان بحلب منذ مدّة قريبة مملوك تركي ، خلف أحد المغاربة النقاد أنه لم ير أحسن من صورته في شرق ولا غرب ، وأنه أعطي مولاه ثلاثين ألف درهم ناصرية « 4 » ، فامتنع من بيعه ، فمات على إثر ذلك . ولو قيل بالمغرب إن مملوكا بلغ هذا الثمن لم يصدق الناقل ، وجعل الناس يضحكون عليه من هذا الحديث . إذ المعتاد في المغرب ما خلا الديار المصرية ، أن يكون المملوك الحسن الصورة من الإفرنج

--> ( 1 ) تضمين بعض قوله عزّ وجل : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ الآية 14 / من سورة ( المؤمنون ) . ( 2 ) في الأصل ينكشفوا . ( 3 ) هذا مكر أعداء الإسلام ووسائلهم للتجسس على أحوال المسلمين ، فلا بد من صحوة وانتباه ، فإن المسلم كيس فطن ورضي الله عن سيدنا عمر إذ قال : ( لست بالخبّ ولا الخب يخدعني ) والخب بفتح الخاء وباء مشددة : الخدّاع . والذي يسعى بين الناس بالفساد . ( 4 ) نسبه إلى الناصر بن العزيز سترد ترجمته بعد صفحة .